السيد الخامنئي

175

دروس تربوية من السيرة العلوية

الأخلاقية وقيمها ، وقد نزل بها الوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقام النبي بتطبيقها على المجتمع الإسلامي بحدود الإمكان ، ولم يكن المجتمع الإسلامي خلال السنوات العشر التي حكم فيها النبي سوى مدينة صغيرة تضمّ بضعة آلاف ، ثم تمّ فتح مكّة والطائف ، فكانت منطقة محدودة ذات ثروات محدودة ، وكان الفقر شاملا والإمكانات ضئيلة جدّا ، فقام بإرساء القيم الإسلامية في مثل هذه الأجواء . ثم مضى على وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله خمس وعشرون سنة ، اتسعت خلالها رقعة البلاد الإسلامية مئات الاضعاف ، فكانت حدود العالم الإسلامي يوم استخلف أمير المؤمنين عليه السّلام تمتّد من آسية الوسطى إلى الشمال الإفريقي - أي مصر - حيث تمت الإطاحة بإحدى الدولتين العظمتين المجاورتين للعالم الإسلامي ، وهي إيران بشكل كامل ، وتم الاستيلاء على أجزاء كبيرة من الأمبراطورية الرومانية وتم الاستيلاء على الشامات وفلسطين والموصل وغيرها ، فتوفرت لذلك أموال طائلة ، فزال الفقر ولم تعد هناك شحّة في الأطعمة ، وانتشر الذهب ، وازدادت النقود ، وظهرت ثروات عظيمة ، وأصبح العالم الإسلامي ثريّا ، وتمتع بعض المسلمين بثراء فاحش . ولو أننا تجاوزنا الإمام عليا عليه السّلام ، لأمكن للتاريخ أن يقول : إنّ أسس الإسلام والقيم النبوية كانت جيدة ، إلّا أنه لا يمكن تطبيقها إلّا على مجتمع صغير فقير ، ولذلك فإنّ العالم الإسلامي سرعان ما اتسعت رقعته واختلط بسائر الحضارات والثقافات من الفارسية والرومانية ، حتى لم تعد تلك الأسس والقيم مجدية في إدارة البلاد ، إلّا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أثبت في هذه السنوات الخمس من حكومته من خلال سيرته وأسلوبه وسياسته أنّ بالإمكان تطبيق تلك الأصول النبوية الساطعة من التوحيد والعدل والمساواة بين الناس ، على يد وال مقتدر مثل أمير المؤمنين عليه السّلام . وقد أثبت التاريخ ذلك ، فإنّ مدة حكم الإمام عليه السّلام وإن كانت قصيرة إلّا أنها كافية